السيد علي عاشور
118
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال : فأخبرني عن قول الله عزّ وجل وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ « 1 » . أي موضع هو ؟ قال أبو حنيفة : هو ما بين مكّة والمدينة ، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال : نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكّة والمدينة ولا تؤمنون على دمائكم من القتل وعلى أموالكم من السّرق ؟ فقالوا اللهمّ نعم . قال : ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقّا ، أخبرني عن قول الله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً « 2 » . أي موضع هو ؟ قال : ذاك بيت الله الحرام ، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال لهم : نشدتكم بالله هل تعلمون أنّ عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟ قالوا : اللهم نعم ، فقال : أبو عبد الله : ويحك يا أبا حنيفة إنّ الله لا يقول إلّا حقا . فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب الله عزّ وجلّ إنّما أنّا صاحب قياس . قال أبو عبد الله : فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيّما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟ قال : بل القتل ، قال : فكيف رضي الله في القتل بشاهدين ولم يرض في الزّنا إلّا بأربعة ؟ ثمّ قال له : الصّلاة أفضل أم الصّيام ؟ قال : بل الصّلاة أفضل ، قال : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصّيام ، وقد أوجب الله عليها قضاء الصّوم دون الصّلاة ، ثم قال : البول أقذر أم المني ؟ قال : البول أقذر ، قال : يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني ، وقد أوجب الله الغسل على المني دون البول . قال : إنّما أنا صاحب رأي ، قال : فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت الإمرأتان وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث ؟ قال : إنّما أنا صاحب حدود ، فقال : فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح ، وأقطع يد ورجل كيف يقام عليهما الحد ؟
--> ( 1 ) سورة سبأ : 18 . ( 2 ) سورة آل عمران : 97 .